رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

حكم المسح على الجوارب: دراسة فقهية مقارنة

الفقه وأصوله والنوازل٩ دقائق للقراءة١٬٥٤١ كلمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة أن شرع لها من الأحكام ما يحقق مصالحها ويدفع عنها المشاق، تطبيقاً لقاعدة الشريعة العظمى "لا ضرر ولا ضرار"، وتحقيقاً لمقصد التيسير ورفع الحرج الذي نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. ومن أبرز تجليات رحمة الشارع ويسر الشريعة، مشروعية المسح على الخفين والجوربين، والتي تُعدّ رخصة شرعية مهمة في باب الطهارة. وقد جاءت هذه الرخصة تخفيفاً على المكلفين، لا سيما في أوقات البرد الشديد، أو عند وجود عذر يمنع نزع ما على القدمين. وتكمن أهمية دراسة هذه المسألة في كونها من المسائل التي تمس الحياة اليومية للمسلمين، وقد وقع فيها اختلاف معتبر بين الفقهاء في بعض تفاصيلها، مما يستدعي البحث والتحقيق لبيان أقوال أهل العلم وأدلتهم، والوصول إلى فهم أعمق لهذه الشعيرة.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم دراسة فقهية مقارنة، تستعرض تعريفات الألفاظ ذات الصلة، وتفصل مذاهب الفقهاء، وتحلل أدلتهم، وصولاً إلى الترجيح المعتبر في المسألة.

المبحث الأول: تعريف المصطلحات الأساسية

إن إدراك حقيقة المسح على الجوربين يتطلب أولاً الوقوف على التعريفات اللغوية والاصطلاحية للمفردات الأساسية التي تشكل هذا الباب الفقهي، وذلك لضمان دقة الفهم وسلامة الاستنباط. الفرع الأول: تعريف المسح والخف والجورب

أولاً: المسح

لغةً: إمرار اليد على الشيء. قال الزمخشري: "يقال: مسحه بالماء والدهن ومسح رأسه، أمرّ يده عليه". اصطلاحاً: عرّفه الفقهاء بتعريفات متقاربة، والتعريف المختار هو: إمرار اليد المبتلة بالماء على العضو المخصوص شرعاً بقصد التطهر. وهذا التعريف يحدد أركان المسح وشروطه، مما يميزه عن مجرد الإمرار اللغوي.

ثانياً: الخف

لغةً: ما يُلبس في الرجل من الجلد. جاء في المعجم الوسيط: "الخف: ما يلبس في الرجل من الجلد الرقيق". شرعاً: لا يختلف المعنى الشرعي كثيراً عن اللغوي، فهو: ما يُلبس على الرجل من الجلود، ويستر القدم إلى الكعبين فصاعداً. وهذا التحديد الشرعي يضيف قيد ستر محل الفرض في الوضوء، وهو شرط أساسي في جواز المسح.

ثالثاً: الجورب

لغةً: لفافة الرجل. وهو لباس للقدم يُتخذ من غير الجلد، كالصوف أو القطن أو الكتان. قيل إن أصله فارسي معرّب (كورب). اصطلاحاً: ما يلبسه الإنسان في قدميه من غير الجلد. وقد اختلف تعريف الفقهاء له تبعاً لاختلافهم في حكم المسح عليه، فمنهم من اشترط فيه الثخانة أو أن يكون مجلداً (مغطى بالجلد) أو منعلاً (له نعل من جلد).

الفرع الثاني: الفرق بين الخف والجورب

الفرق الجوهري بين الخف والجورب يكمن في المادة المصنوع منها كل منهما. فالخف في أصله مصنوع من الجلد، بينما الجورب مصنوع من النسيج (صوف، قطن، كتان، وغيرها). هذا الفرق هو منطلق الخلاف الفقهي في المسألة، حيث إن المسح على الخف ثابت بالنصوص المتواترة، بينما المسح على الجورب كان محل نظر واجتهاد.

وقد رأى بعض أهل العلم، كأنس بن مالك رضي الله عنه، أن لا فرق جوهرياً بينهما من حيث الحكم، فقد قال عن الجوربين: "إنهما خفان، ولكنهما من صوف". وهذا الأثر يُعد أصلاً مهماً في إلحاق الجورب بالخف.

المبحث الثاني: مذاهب الفقهاء في حكم المسح على الجوربين

اختلف الفقهاء في حكم المسح على الجوربين اختلافاً واسعاً، وتنوعت أقوالهم بين الإجازة المطلقة، والمنع المطلق، والإجازة المقيدة بشروط. ويمكن حصر هذه المذاهب في ثلاثة أقوال رئيسة: المذهب الأول: القول بالجواز مطلقاً (مع اشتراط الثخانة عند البعض)

وهو القول بجواز المسح على الجوربين المصنوعين من غير الجلد، سواء كانا من قطن أو صوف أو غير ذلك، دون اشتراط أن يكونا مجلدين أو منعلين.

وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم من السلف والخلف. وممن قال به من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعمار بن ياسر، وبلال بن رباح، وأبو مسعود الأنصاري، والبراء بن عازب، وسهل بن سعد، وأبو أمامة، وغيرهم رضي الله عنهم. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والأعمش. وهو قول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه.

وهذا القول هو المعتمد في المذهب الحنبلي، وهو اختيار الصاحبين من الحنفية (أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني)، وإليه رجع الإمام أبو حنيفة نفسه في آخر حياته، حيث روي أنه مسح على جوربيه في مرضه الذي مات فيه وقال لعواده: "فعلت ما كنت أمنع الناس عنه"، مشيراً إلى رجوعه عن قوله الأول الذي كان يشترط التجليد أو النعل. وهو أيضاً قول عند الشافعية، واختاره كثير من المحققين من فقهائهم.

أما الظاهرية فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فأجازوا المسح على الجوربين مطلقاً وإن كانا رقيقين يشفان البشرة. وهذا القول بشرط الصفاقة هو الذي استقرت عليه الفتوى في العصر الحديث لدى أكثر مجالس الإفتاء والهيئات العلمية.

المذهب الثاني: القول بالمنع مطلقاً

وهو القول بعدم جواز المسح على الجوربين مطلقاً، سواء كانا ثخينين أو رقيقين، ما لم يكونا من جلد. وهذا هو المشهور في مذهب الإمام مالك رحمه الله، حيث يرى أن الرخصة وردت في الخفاف المصنوعة من الجلد، فلا تتعداها إلى غيرها. وبه قال أيضاً بعض التابعين كعطاء في أحد قوليه، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، وهو مروي عن الأوزاعي.

المذهب الثالث: القول بالجواز المقيد

وهو القول الذي يتوسط بين المنع المطلق والجواز المطلق، فيجيز المسح على الجوربين ولكن بشرط أن يكونا في معنى الخف، ولا يكونان كذلك إلا إذا كانا مجلدين (أي أن ظاهرهما وباطنهما مغطى بالجلد) أو منعلين (أي أن أسفلهما مرقع بالجلد كالنعل). فبهذه الصفة يكتسبان قوة الخف ومتانته، فيلحقان به في الحكم.

وهذا هو القول الأرجح في مذهب الإمام الشافعي، وهو القول الأول للإمام أبي حنيفة الذي رجع عنه كما سبق. وهو أيضاً رواية عن الإمام مالك الذي يجيز المسح على الجورب إذا كان أسفله مخرزاً بالجلد. وبه قال أيضاً سعيد بن المسيب من التابعين. وحجة هذا القول أن الجورب غير المجلد أو المنعل لا يسمى خفاً، ولا يمكن متابعة المشي فيه، فلا يأخذ حكم الخف.

المبحث الثالث: أدلة المذاهب ومناقشتها

يعتمد كل مذهب على مجموعة من الأدلة من القرآن والسنة والآثار والقياس، وفيما يلي عرض لأهم هذه الأدلة ومناقشتها.

الفرع الأول: أدلة القائلين بالجواز

استدل المجيزون للمسح على الجوربين (سواء مطلقاً أو بثخانة) بأدلة قوية ومتنوعة:

  1. حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين. هذا الحديث هو العمدة في الباب، وقد صححه وحسنه جمع من الأئمة الكبار كالترمذي وابن حبان وابن خزيمة وأحمد شاكر، وإن كان بعض المحدثين قد أعله بالتفرد والمخالفة، كالإمام مسلم والنسائي والبيهقي. والراجح عند كثير من المحققين أن الحديث ثابت أو على الأقل حسن صالح للاحتجاج، وأن من رواه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، وأنها واقعة حال مستقلة عن واقعة المسح على الخفين.
  2. آثار الصحابة رضي الله عنهم: ثبت المسح على الجوربين عن عدد كبير من الصحابة، قيل إنهم بلغوا خمسة عشر صحابياً، منهم الخلفاء الراشدون الأربعة (في روايات) وابن مسعود وأنس بن مالك والبراء بن عازب وغيرهم. قال ابن قدامة: "الصحابة رضي الله عنهم مسحوا على الجوارب، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً". وهذا الإجماع الفعلي أو السكوتي حجة قوية.
  3. قول أنس بن مالك رضي الله عنه: روى الدولابي بإسناد صحيح أن أنساً رضي الله عنه مسح على جوربين من صوف، ولما سُئل قال: "إنهما خفان، ولكنهما من صوف". وهذا تفسير لغوي من صحابي جليل، وهو حجة في أن اسم "الخف" يشمل الجورب، فلا يكون المسح على الجورب قياساً، بل هو داخل في النص الأصلي للمسح على الخفين.
  4. القياس الصحيح: على فرض أن الجورب ليس خفاً، فإنه يُقاس عليه قياساً جلياً. فكلاهما لباس للقدم، ساتر لمحل الفرض، يشق نزعه، وتتحقق فيه علة الرخصة وهي رفع الحرج والمشقة. ولا يوجد فرق مؤثر بينهما يمنع من إلحاق أحدهما بالآخر في الحكم.
  5. عموم النصوص: وردت نصوص المسح مطلقة، وتقييدها بكون الجورب مجلداً أو منعلاً يحتاج إلى دليل، ولا دليل على هذا التقييد. والأصل بقاء المطلق على إطلاقه.

الفرع الثاني: أدلة المانعين والمقيدين

استدل المانعون أو من اشترطوا شروطاً خاصة بأدلة، أهمها:

  1. الأصل هو غسل الرجلين: الأصل الثابت بظاهر القرآن في قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هو الغسل. والخروج عن هذا الأصل لا يكون إلا بدليل قطعي، وأحاديث المسح على الخفين متواترة، أما حديث المسح على الجوربين فمختلف في صحته. وردّ المجيزون بأن الحديث صحيح أو حسن، وتؤيده آثار الصحابة والإجماع والقياس الصحيح.
  2. الرخصة لا يُقاس عليها: قالوا إن المسح على الخف رخصة، والرخص لا تتعدى محلها، فلا يُلحق بها الجورب. وأجيب بأن هذه القاعدة نفسها مختلف فيها، والجمهور على أن ما كان في معنى الرخصة يلحق بها إذا كانت العلة معقولة، وعلة المسح وهي المشقة متحققة في الجورب كتحققها في الخف.
  3. عدم إمكانية متابعة المشي: اشترطوا أن يكون الجورب مما يمكن متابعة المشي فيه كالخف، والجوارب الرقيقة لا يتحقق فيها ذلك. وأجيب بأن هذا الشرط لا دليل عليه من نص صريح، وهو تعليل في مقابل النص.

المبحث الرابع: الترجيح والخلاصة

بعد استعراض أدلة الفريقين ومناقشتها، يظهر جلياً قوة أدلة القائلين بجواز المسح على الجوربين. فالأدلة من السنة وآثار الصحابة والقياس الصحيح كلها تصب في مصلحة هذا القول. وعليه، فالراجح - والله تعالى أعلم - هو جواز المسح على الجوربين، وهو ما عليه العمل عند جماهير أهل العلم سلفاً وخلفاً، وبه تفتي أكثر الهيئات العلمية ودور الإفتاء المعاصرة.

أما اشتراط الثخانة، فهو قول وجيه، وعليه استقر المذهب الحنفي والحنبلي. والمقصود بالثخانة ألا يشف الجورب عن لون البشرة، وأن يثبت بنفسه على القدم. وهذا الشرط يحقق معنى الستر المطلوب، ويجعل الجورب أقرب شبهاً بالخف. أما الجوارب الرقيقة جداً (الشفافة) التي لا تثبت على القدم، فالأحوط ترك المسح عليها خروجاً من الخلاف.

وفي الختام، فإن هذه الرخصة العظيمة دليل على يسر الإسلام وسماحته، وعلى أهل العلم والفقه أن ييسروا على الناس في مسائل الفروع ما دام الدليل يسعفهم، اتباعاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم: "يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا". ومن أراد الأخذ بالأحوط لنفسه فغسل قدميه، فذلك خير، ولكن لا ينبغي الإنكار على من أخذ بالرخصة الثابتة بأدلتها الشرعية. والله تعالى أعلى وأعلم.

شارك المقالة

Scroll to Top