رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

مقالة فقهية مقارنة في حكم الوصية الواجبة في الشريعة والقانون

الفقه وأصوله والنوازل٩ دقائق للقراءة١٬٥١٣ كلمة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فإن من المسائل التي استجدت في واقعنا المعاصر، وأثارت نقاشًا فقهيًا وقانونيًا واسعًا، ما اصطُلح على تسميته بـ "الوصية الواجبة". وهي نظام قانوني أخذت به تشريعات الأحوال الشخصية في عدد من البلدان الإسلامية، يهدف إلى معالجة وضع اجتماعي محدد، مما استدعى وقفة تأصيلية لفهم حقيقة هذا النظام، وبيان سنده الشرعي، واستعراض أقوال أهل العلم فيه، والمآخذ الموجهة إليه، والبدائل المطروحة له، وذلك في محاولة لتقديم دراسة شاملة ومستوعبة لجوانب المسألة.

أولًا: حقيقة الإشكال ومفهوم الوصية الواجبة

إن نظام الميراث في الشريعة الإسلامية قائم على قواعد محكمة ودقيقة، منها أن الأقرب درجةً يحجب الأبعد درجة.

وبناءً على هذه القاعدة، إذا مات الابن في حياة أبيه أو أمه، ثم توفي الجد أو الجدة بعد ذلك، فإن أولاد ذلك الابن المتوفى (الأحفاد) لا يرثون من تركة جدهم شيئًا لوجود أعمامهم (أبناء الجد المباشرين)، لأن الأعمام أقرب درجة إلى الميت من أبناء أخيهم. وقد ينتج عن هذا الوضع أن يجتمع على هؤلاء الأحفاد ألم اليتم وقسوة الفقر والحاجة، بينما يتقاسم أعمامهم تركة جدهم الواسعة، وهي حالة قد تؤدي إلى مفاسد اجتماعية ونفسية، خاصة مع تغير الأعراف وضعف روابط التكافل الأسري في بعض المجتمعات المعاصرة.

ولمعالجة هذا الإشكال، استحدث المشرِّع الوضعي في دول مثل مصر والأردن ما يُعرف بـ "الوصية الواجبة". وهي باختصار، وصية يوجبها القانون في تركة الجد (أو الجدة) لهؤلاء الأحفاد بمقدار حصة أبيهم المتوفى كما لو كان حيًا عند موت أصله، على ألا يتجاوز هذا المقدار ثلث التركة. وتُفرض هذه الوصية بحكم القانون سواء أوصى بها الجد أم لم يوصِ، ولا يتوقف تنفيذها على إجازة الورثة.

ثانيًا: الأصل الشرعي للمسألة ومحور الخلاف الفقهي

استند القائلون بمشروعية الوصية الواجبة إلى قول فريق من الفقهاء بوجوب الوصية للأقارب غير الوارثين، معتمدين في ذلك على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180). وقد انقسم العلماء في فهم هذه الآية إلى قولين رئيسيين:

القول الأول: إن الآية منسوخة وحكم الوصية الاستحباب (قول الجمهور)

ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، إلى أن هذه الآية التي كانت تفيد وجوب الوصية للوالدين والأقربين قد نُسخت. واستدلوا على ذلك بأدلة عدة، منها أن آيات المواريث في سورة النساء قد تولت قسمة التركة بنفسها تحديدًا وتفصيلًا، فأعطت كل ذي حق حقه، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ".

وبناءً على هذا، فإن حكم الوصية للأقارب عمومًا هو الاستحباب والندب، لا الوجوب والإلزام. وقد نقل الإمام ابن عبد البر ما يشبه الإجماع على ذلك فقال: "أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا طائفة شذت فأوجبتها".

القول الثاني: إن الآية مُحكمة في حق غير الوارثين وحكم الوصية الوجوب.

ذهب فريق آخر من السلف والفقهاء إلى أن الآية ليست منسوخة بالكلية، وإنما هي مُحكمة، ولكنها خُصِّصت بآيات المواريث وحديث "لا وصية لوارث"، فخرج منها الأقارب الوارثون، وبقي حكم الوجوب ساريًا في حق الأقارب الذين لا يرثون. وهذا القول مروي عن جمع من فقهاء التابعين كابن المسيب والحسن البصري وطاووس ومجاهد والزهري، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال بقوة الإمام ابن حزم الظاهري وداود والطبري.

وقد استدلوا بظاهر الآية الكريمة، فلفظ ﴿كُتِبَ﴾ يفيد الفرض والوجوب كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يؤكد هذا الوجوب. كما استدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ"، معتبرين أن هذا الحديث يدل على وجوب المبادرة إلى كتابة الوصية. وعلى هذا القول الأخير، بنى المشرِّعون الوضعيون قانون الوصية الواجبة، معتبرين أن لولي الأمر أن يختار من الأقوال الفقهية ما يراه محققًا للمصلحة العامة، ويلزم به قضاءً.

ثالثًا: المآخذ والانتقادات الفقهية على قانون الوصية الواجبة

على الرغم من أن القانون استند إلى قول فقهي معتبر، إلا أن تفصيلاته وتطبيقاته العملية أثارت انتقادات جوهرية من قِبل عدد كبير من العلماء المعاصرين، الذين رأوا أن القانون في صيغته الحالية قد خالف حتى أصول القول الذي استند إليه. وتتركز هذه الانتقادات في عدة محاور:

  1. كونها ميراثًا مقنعًا وليست وصية حقيقية: يرى المنتقدون أن هذه "الوصية" هي في حقيقتها تعديل لأحكام الميراث التي تولى الله قسمتها بنفسه. فالوصية في الفقه الإسلامي عقد تبرع اختياري يصدر عن إرادة الموصي، أما هذه فتُفرض بحكم القانون، وتُنفذ جبرًا عن الورثة، وتُقدر بمقدار ثابت يشبه حصة الميراث. وقد عبر عن هذا المعنى الشيخ محمد أبو زهرة بقوله إن هذه الأحكام "في غايتها ومرماها وفي الغرض منها والسبب الباعث عليها تنحو نحو الميراث".

وهذا يُعد استدراكًا على حكمة الشارع في تقسيم المواريث، وهو أمر خطير.

  1. مخالفتها للآية التي استُدل بها: إن القول بوجوب الوصية المستفاد من الآية له ضوابطه التي أهملها القانون. فالآية قيدت الأمر بالوصية بشرط ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وهو المال الكثير الفاضل عن حاجة الورثة عند بعض المفسرين، بينما القانون أوجبها في كل تركة قلت أم كثرت. والآية جعلت الوصية ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ على وجه العموم، بينما القانون قصرها على فئة محددة من الأحفاد دون غيرهم من الأقارب المحتاجين. كما أن الآية لم تحدد مقدارًا معينًا، بل تركته للمعروف، بينما القانون حدده بنصيب الأصل المتوفى، وهو تحديد لم يقل به أحد من القائلين بوجوب الوصية.
  2. مخالفتها لمذهب ابن حزم نفسه: مع أن القانون يُنسب في أصله الفكري إلى مذهب ابن حزم، إلا أنه يخالفه في تفاصيل جوهرية. فابن حزم يوجب الوصية لجميع الأقارب غير الوارثين، ولا يحدد مقدارها بل يتركها لما "طابت به نفس" الموصي، فإن لم يوصِ، قدرها الورثة أو الوصي بما لا يجحف بهم. أما القانون فخصّ وحدد وألزم بما لم يقل به ابن حزم.
  3. عدم اشتراط الفقر والحاجة: إن الحكمة التي سيقت لتبرير هذا القانون هي رعاية الأحفاد الفقراء، ولكن القانون يعطيهم هذا النصيب سواء كانوا أغنياء أم فقراء، وقد يكونون في غنى فاحش بينما أعمامهم الوارثون في فقر شديد، وهو ما يتنافى مع مقصد العدل والرأفة.
  4. إحداثها لحالات شاذة ومخالفة للإجماع: أدى تطبيق هذا القانون إلى نتائج غريبة تخالف أصول الميراث المتفق عليها.

ففي بعض الحالات، تأخذ "بنت البنت" (وهي من ذوي الأرحام غير الوارثين إجماعًا مع وجود أصحاب الفروض) بالوصية الواجبة أكثر مما تأخذه "بنت الابن" الوارثة بالفرض. وفي حالات أخرى، قد تأخذ "بنت الابن" بالوصية الواجبة أكثر من "البنت" المباشرة للميت، وهي مفارقات تدل على الخلل في بناء هذا النظام مقارنة بالقسمة الإلهية المحكمة.

رابعًا: البدائل الشرعية لمعالجة فقر الأحفاد

إن رفض قانون الوصية الواجبة بصيغته الحالية لا يعني إهمال المشكلة التي قصد معالجتها. بل إن في الشريعة الإسلامية حلولًا وبدائل تحقق المقصد دون الوقوع في محاذير تغيير أحكام الميراث، ومن هذه البدائل:

  1. تفعيل الوصية الاختيارية: وذلك من خلال نشر الوعي بين الناس، وحث الأجداد على أن يوصوا لأحفادهم غير الوارثين بجزء من مالهم لا يتجاوز الثلث.

وهذا فعل مستحب يجمع بين صلة الرحم والصدقة، وهو الحل الأصيل الذي جاءت به الشريعة.

  1. الهبة في الحياة: للجد أن يهب لأحفاده ما يشاء من ماله حال حياته وصحته، وهذا من أفضل السبل لسد حاجتهم وتأمين مستقبلهم.
  2. تبرع الورثة وصلتهم: إذا لم يوصِ الجد ولم يهب، يُحث الورثة الأغنياء على البر بأبناء أخيهم الفقراء، وإعطائهم جزءًا من المال الذي ورثوه على سبيل الصدقة وصلة الرحم، وهو باب عظيم من أبواب الأجر.
  3. دور الوقف الخيري وصناديق التكافل: يمكن إنشاء أوقاف خيرية أو صناديق تكافل عائلية أو مجتمعية يكون من بين أهدافها رعاية مثل هذه الحالات من الأيتام والأقارب المحتاجين، وهو حل مؤسسي يضمن استدامة الدعم.

خامسًا: الموقف العملي ودعوة إلى المراجعة التشريعية

وأما على الصعيد العملي، فإنه إذا فُرض هذا القانون في بلد ما وأخذ به القضاء، فإن الورع والتقوى يقتضيان ممن فُرض له هذا النصيب من الأحفاد أن يتنبه إلى الشبهة القوية التي تحيط بهذا المال، لكونه مقتطعًا من حصص الورثة الشرعيين بغير رضاهم في الغالب. وعليه، فلا ينبغي له أن يأخذه إلا بعد أن تطيب به نفس الورثة الآخرين، أو أن يتم التراضي على مبلغ مستساغ يرتضيه الجميع، خروجًا من الخلاف، وتحريًا للحلال، وتبرئةً للذمة أمام الله تعالى. فإن أكل أموال الناس بالباطل من كبائر الذنوب، وما أُخذ بسيف الحياء أو بموجب قانون فيه نظر، لا يجعله حلالًا طيبًا إذا لم يكن عن طيب نفس من أصحاب الحق الأصليين. ومن هذا المنطلق، فإنه يُطالب المشرعون في البلدان التي أخذت بهذا القانون أن يعيدوا النظر في نصوصه، وأن يسعوا إلى تعديله بضوابط تجمع بين المقصد النبيل للتشريع وبين أصول الشريعة وقواعدها.

وذلك بأن يوضع لكل حالة حكم يناسبها، فتُراعى صفة الموصى له من حيث الفقر والغنى، وتُعطى الأولوية للحالات الأشد حاجة، ويُفتح الباب لتقدير القاضي للحالات المختلفة، بدلًا من التطبيق الآلي الذي يؤدي إلى نتائج تنافي العدل والمصلحة التي من أجلها شُرع هذا النظام أصلًا.

سادسًا: خلاصة وترجيح

يتضح مما سبق أن مسألة "الوصية الواجبة" هي اجتهاد قانوني معاصر، له وجه من النظر من حيث استناده إلى قول فقهي قديم بوجوب الوصية للأقارب، وله مقصد حسن وهو رعاية الأحفاد.

ولكن التفصيلات التي صيغ بها القانون جعلته محل انتقاد شديد من جمهور العلماء، لكونه أقرب إلى تغيير أحكام الميراث منه إلى الوصية الشرعية، ولما أدى إليه من مفارقات ومخالفات لأصول الشريعة ومقاصدها.والذي يترجح - والله أعلم - هو القول بمشروعية واستحباب الوصية للأحفاد غير الوارثين، وحث الأجداد على القيام بها، وتشجيع الورثة على صلة أرحامهم، دون الإلزام القانوني الذي يغير من أحكام الميراث القطعية. فالقسمة الإلهية هي الأعلم والأحكم بما يصلح حال العباد، والعدول عنها إلى اجتهادات بشرية قاصرة قد يفتح بابًا من الفوضى التشريعية ويصادم النصوص المحكمة.

نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يردنا إليه ردًا جميلًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

شارك المقالة

Scroll to Top