إن حكم استخدام خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقاً" مثل "كلارنا"، التي تتضمن شرطاً بفرض غرامة عند التأخر في السداد، هي من المسائل المعاصرة التي نظر فيها الفقهاء من زوايا مختلفة، ونتج عن ذلك رأيان رئيسيان.
الرأي الأول: التحريم مطلقاً
وهو الرأي المشهور. وخلاصته أن هذه المعاملة محرمة. أدلة هذا الرأي:
- العقد يشتمل على شرط ربوي: إن فرض أي زيادة مالية على الدين مقابل التأخير في السداد هو عين الربا المحرم شرعاً، وهو ما أشارت له المجامع الفقهية المعاصرة، حيث اعتبرت أن "غرامة التأخير" هي من ربا الجاهلية الصريح .
- حرمة الدخول في عقد ربوي: يرى أصحاب هذا القول أن مجرد الدخول في عقد يشتمل على شرط ربوي هو إقرار للربا وقبول به، وهذا محرم في حد ذاته، حتى لو كان المتعاقد عازماًه على السداد في الوقت المحدد لتجنب دفع الربا. يستدلون على ذلك بأن المسلم مأمور باجتناب الربا بكل صوره، بما في ذلك الموافقة عليه في العقود.
خلاصة هذا الرأي: العبرة ببنود العقد، فإذا كان العقد فاسداً لاشتماله على شرط ربوي، كان الدخول فيه محرماً بغض النظر عن نية المتعاقد.
الرأي الثاني: الجواز بشروط
وهو رأي معتبر لعدد من الفقهاء المعاصرين، ويستند إلى القواعد الفقهية التي تفرق بين أصل العقد والشروط الفاسدة التي تلحق به. وخلاصة هذا الرأي: أن المعاملة جائزة لمن يعلم من نفسه القدرة على السداد في الوقت المحدد ولا يماطل فيه. أدلة هذا الرأي:
١. صحة العقد وبطلان الشرط
اتكاءا على القاعدة الفقهية القائلة بأن وجود شرط فاسد في العقد لا يُبطل العقد بالضرورة، بل يصح العقد ويبطل الشرط. ؛ لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ" (رواه البخاري ومسلم).
وبناءً على ذلك، فإن شرط غرامة التأخير هو شرط باطل، ولكن عقد البيع الأصلي يبقى صحيحاً.
٢. النية والعزم على عدم الوقوع في الحرام
فمن يستخدم هذه الخدمة وهو عازم وقادر على السداد في الوقت المحدد، فإنه لا يدخل في الربا فعلياً. فمناط التحريم هو الوقوع في دفع الزيادة الربوية، فإذا انتفى ذلك انتفى التحريم في حقه.
- قاعدة التابع والمقصود: يطبقون هنا قاعدة "يُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في المقاصد".
فالمقصود الأصلي من العقد هو البيع، أما شرط الغرامة فهو أمر تابع وعارض، ويمكن تجنبه. فإذا كان المستخدم لا يقصد الدخول في الربا، وإنما الاستفادة من خدمة الدفع الآجل المباحة في أصلها، مع التزامه بتجنب الشرط المحرم، فإن المعاملة تجوز له. خلاصة هذا الرأي: يجوز الدخول في هذا العقد لمن يغلب على ظنه أنه قادر على السداد في الوقت المحدد ولن يتأخر، وبذلك يكون قد استفاد من التسهيل في الدفع وتجنب الوقوع في الشرط الربوي الباطل.
الخلاصة والترجيح
كلا الرأيين له وجاهته وأدلته المعتبرة. الرأي الأول أحوط وأبرأ للذمة، وفيه خروج من الخلاف وابتعاد كامل عن شبهة الربا. أما الرأي الثاني ففيه تيسير وسعة، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه مثل هذه المعاملات، وهو مبني على قواعد فقهية متينة. وعليه، يمكن القول: الأفضل والأحوط للمسلم هو تجنب هذه المعاملات بالكلية خروجاً من الخلاف وعملاً بمبدأ الورع والابتعاد عن الشبهات. من احتاج إلى استخدام هذه الخدمة، وغلب على ظنه بشكل كبير أنه قادر على السداد في الوقت المحدد دون أي تأخير، والتزم بذلك فعلاً، فنرجو أن يكون في الأمر سعة له بناءً على الرأي الثاني القائل بالجواز، مع بطلان الشرط الربوي الذي يجب على المستخدم أن لا يقع فيه. وعليه في هذه الحالة أن يحرص أشد الحرص على السداد قبل انتهاء المهلة المحددة. والله تعالى أعلم.
