من المسائل التي عني الفقهاء ببحثها وتفصيل أحكامها، مسألة حكم الأكل من الأضحية المنذورة. والأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في أيام عيد الأضحى المبارك، وقد شرع الله تعالى الأكل منها والتصدق والإهداء، تحقيقاً لمقاصد جليلة من التوسعة على النفس والأهل، وإطعام الفقراء والمساكين، وشكر نعمة الله تعالى. غير أن الأضحية قد تكتسب وصف الوجوب بأسباب عارضة، منها النذر، وهو إلزام المكلف نفسه قربة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع. وهنا يثور البحث الفقهي حول حكم انتفاع الناذر بالأكل من هذه الأضحية التي أوجبها على نفسه، هل يبقى حكمها كالأضحية المتطوع بها فيجوز له الأكل منها، أم أن وجوبها بالنذر يغير من حكمها فيمنع من الأكل منها قياساً على سائر الواجبات المالية كالزكاة والكفارات ودماء الجبرانات؟ وقد اختلفت أنظار الفقهاء واجتهاداتهم في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى المنع، بينما ذهب آخرون إلى الجواز، ولكل فريق أدلته ومستنداته الشرعية التي بنى عليها قوله.
ونظراً لأهمية هذه المسألة، وحاجة المسلمين إلى معرفة الحكم الراجح فيها، خاصة مع كثرة وقوع النذر بالأضاحي في زماننا، فقد استعنت بالله تعالى في تحرير هذه المقالة، مستعرضاً أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومناقشتها، وصولاً إلى القول الراجح المدعوم بالدليل، مع بيان الضوابط اللازمة. والله أسأل التوفيق والسداد.
أولاً: تعريف المصطلحات الأساسية
قبل الخوض في تفاصيل المسألة وأقوال الفقهاء فيها، ابتداء 1.الأضحية: في اللغة: اسم لما يذبح وقت الضحى. وفي الشرع: ما يذبح من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) في أيام النحر (يوم العيد وثلاثة أيام بعده) تقرباً إلى الله تعالى بشرائط مخصوصة. 2.النذر: في اللغة: الإيجاب والوعد بخير أو شر. وفي الشرع: إلزام المكلف المختار نفسه لله تعالى شيئاً غير لازم له بأصل الشرع، بصيغة تدل على ذلك. 3.الأضحية المنذورة: هي الأضحية التي أوجبها المكلف على نفسه بصيغة من صيغ النذر، كأن يقول: "لله عليّ أن أضحي هذا العام"، أو "نذرت أضحية"، أو يعين شاةً بقوله: "هذه أضحية" أو "جعلتها أضحية". فتصير واجبة عليه بهذا النذر أو التعيين.
ثانياً: التأصيل الشرعي للمسألة
تستند المسألة إلى أصول شرعية وقواعد فقهية، أهمها:
- وجوب الوفاء بالنذر: أجمع الفقهاء على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة، ولم يكن معصية، وذلك لأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: 7]، وقوله سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَن يَعْصِيَ اللَّهَ فَلاَ يَعْصِهِ" (أخرجه البخاري).
- الأصل في الأكل من الأضحية: الأصل في الأضحية غير الواجبة (المتطوع بها) أنه يستحب للمضحي أن يأكل منها، ويطعم غيره، ويتصدق منها، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]. ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره، حيث قال: "كُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا" (متفق عليه). فالأكل منها مشروع ومستحب.
ثالثاً: محل النزاع
إنما الخلاف بين الفقهاء هو في الأضحية التي وجبت بسبب عارض وهو النذر أو التعيين، هل يجوز للناذر أو المعيِّن أن يأكل منها كما يأكل من أضحية التطوع، أم يمتنع عليه الأكل منها لأنها صارت واجبة، والواجبات المالية لا ينتفع منها من وجبت عليه؟
رابعاً: أقوال الفقهاء وأدلتهم
انقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين رئيسيين:
القول الأول: المنع من الأكل من الأضحية المنذورة.
وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (في المعتمد)، والشافعية (في الأصح)، والحنابلة (في رواية هي ظاهر كلام أحمد). نصوص أصحاب هذا القول: قال الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق": "وإن وجبت بالنذر، فليس لصاحبها أن يأكل منها شيئاً، ولا أن يطعم غيره من الأغنياء... لأن سبيلها التصدق وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته". ونقله ابن عابدين في "رد المحتار" وأقره، مضيفاً: "ولو أكل فعليه قيمة ما أكل". وقال النووي الشافعي في "المجموع": "مذهبنا أنه لا يجوز الأكل من الأضحية والهدية الواجبين سواء كان جبراناً أو منذوراً".
ونقل ابن قدامة في "المغني" عن بعض الحنابلة المنع، قائلاً: "وهو ظاهر كلام أحمد، وبناه على الهدي المنذور". أدلة أصحاب هذا القول:
- القياس على الهدي المنذور: قاسوا الأضحية المنذورة على الهدي المنذور، فكما أن الهدي إذا وجب بالنذر لا يجوز للناذر الأكل منه اتفاقاً (في هدي المساكين)، فكذلك الأضحية المنذورة، بجامع أن كلاً منهما صار واجباً بالنذر.
- القياس على الصدقة الواجبة (الزكاة): قالوا إن الأضحية المنذورة صارت واجبة، فأشبهت الزكاة، وكما لا يجوز للمزكي أن يأكل من زكاته، فكذلك الناذر لا يأكل من أضحيته المنذورة.
- القياس على دماء الجبرانات وجزاء الصيد: قاسوا الأضحية المنذورة على الدماء الواجبة كفارة أو جزاءً، وهي لا يجوز الأكل منها بالإجماع، فكذلك الأضحية المنذورة.
- زوال الملك بالنذر: اعتبر بعضهم (كالشافعية) أن النذر أو التعيين يزيل ملك الناذر عن الأضحية، فتصير كمال الغير، فلا يجوز له الأكل منها.
مناقشة أدلة القول الأول
مناقشة القياس على الهدي المنذور: هذا القياس فيه نظر؛ لأنه قياس مع الفارق. فالهدي الواجب بأصل الشرع (كهدي التمتع والقران عند من يوجبه للمساكين) لا يجوز الأكل منه، فالمنذور منه يحمل عليه. أما الأضحية، فالأصل فيها جواز الأكل، فالمنذور منها ينبغي أن يحمل على هذا الأصل المعهود. فالفرق بين طبيعة الأصل المقيس عليه في كل منهما واضح. مناقشة القياس على الزكاة ودماء الجبرانات: هذا القياس أيضاً غير مسلم؛ لأن الأضحية تختلف عن الزكاة والكفارات. فالأضحية فيها معنى القربة والنسك، وفيها أيضاً معنى التوسعة على النفس والأهل، بخلاف الزكاة التي هي حق مالي للفقراء، والكفارات التي هي جبر للخلل. والنصوص صرحت بمشروعية الأكل من الأضحية دون تفريق، ولم يرد مثل ذلك في الزكاة والكفارات. مناقشة زوال الملك: القول بزوال الملك بمجرد النذر أو التعيين فيه خلاف، والأقرب أن الملك لا يزول إلا بالذبح بنية النذر، وقبله هي باقية على ملكه، وإن تعلقت بها حقوق النذر.
القول الثاني: جواز الأكل من الأضحية المنذورة.
وهو قول المالكية، والحنابلة (في المعتمد والمختار)، وبعض الحنفية (كالكاساني الذي نقل عليه إجماع الحنفية)، وقول عند الشافعية (مرجوح). نصوص أصحاب هذا القول: قال الكاساني الحنفي في "البدائع": "فعندنا يؤكل... بالإجماع - أي عند فقهاء الحنفية - الأكل من الأضحية، سواء أكانت نفلاً أم واجبة، منذورة كانت أو واجبة ابتداء". وقال الدسوقي المالكي في "الحاشية": "النذر إن لم يعينه ولم يسمه للمساكين كان له الأكل منه مطلقاً". وقال ابن قدامة الحنبلي في "المغني" و"الكافي" مرجحاً: "وإن نذر أضحية، فله الأكل منها؛ لأن النذر محمول على المعهود قبله، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها، والأكل منها، ولا يغير النذر من صفة المنذور إلا الإيجاب". أدلة أصحاب هذا القول:
- قاعدة "النذر محمول على المعهود": وهذا هو العمدة في الاستدلال لهذا القول. ومعناه أن الناذر عندما ينذر أضحية، فإنه ينذرها بالصفة التي عهدت وعرفت بها في الشرع، والمعهود من الأضحية شرعاً هو جواز الأكل منها للمضحي. فالنذر إنما يغير حكمها من الاستحباب إلى الوجوب، ولكنه لا يغير صفتها المعهودة إلا بدليل خاص أو نية تقييد من الناذر. وهذه قاعدة أصولية معتبرة في باب النذور والأيمان.
- عموم النصوص الآمرة أو المبيحة للأكل: استدلوا بعموم النصوص القرآنية والنبوية التي أباحت الأكل من الأضحية، كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا...﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته". وهذه النصوص عامة تشمل الأضحية المتطوع بها والواجبة بالنذر، ولم يأت مخصص يخرج الأضحية المنذورة من هذا العموم.
- الفرق بين الأضحية والهدي الواجب: فرقوا بين الأضحية والهدي، بأن الهدي الواجب بأصل الشرع لا يؤكل منه، فالمنذور يحمل عليه، بخلاف الأضحية التي يؤكل منها أصلاً، فالمنذور يحمل عليها.
- آثار الصحابة: استدلوا بما روي عن بعض الصحابة كابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم من جواز الأكل من الأضحية المنذورة، ولم يعرف لهم مخالف. مناقشة أدلة القول الثاني: أدلة هذا القول قوية ومتماسكة، خاصة دليل حمل النذر على المعهود، وعموم النصوص. والاعتراضات عليها لا تقوى على ردها.
خامساً: الترجيح بين القولين
بعد استعراض القولين وأدلتهما ومناقشتها، يظهر - والله تعالى أعلم - رجحان القول الثاني القاضي بجواز أكل الناذر من أضحيته المنذورة، وذلك لقوة أدلته، وعلى رأسها:
- قوة دليل حمل النذر على المعهود: فهو يتسق مع قواعد اللغة والشرع في فهم كلام المكلفين وعقودهم ونذورهم.
- سلامة الاستدلال بعموم النصوص: فالأصل بقاء العام على عمومه حتى يرد المخصص، ولا مخصص هنا.
- ضعف أدلة المانعين: فالقياسات التي استندوا إليها إما قياس مع الفارق، أو قياس في مقابل النص العام.
- موافقة هذا القول لمقاصد الشريعة: فالأضحية شرعت للتوسعة والشكر وإطعام الفقراء، والقول بالجواز يحقق هذه المقاصد بشكل أتم، وهو أرفق بالناس وأيسر عليهم، خاصة إذا كان الناذر فقيراً.
سادساً: ضوابط الأكل من الأضحية المنذورة (على القول الراجح)
مع القول بالجواز، ينبغي مراعاة الضوابط التالية:
- الالتزام بنية الناذر ولفظه: إذا صرح الناذر في نذره بأنها للفقراء والمساكين فقط، أو قيد نذره بما يمنع الأكل، وجب الوفاء بنذره على الوجه الذي قصده والتزمه.
- عدم الإسراف: يقتصر في الأكل على قدر الحاجة والعادة، ويستحب الإكثار من الصدقة والإهداء.
- التوزيع المستحب: يستحب أن يوزعها أثلاثاً كما في أضحية التطوع: ثلث يأكله هو وأهل بيته، وثلث يهديه لأقاربه وجيرانه وأصدقائه، وثلث يتصدق به على الفقراء والمساكين.
خاتمة
يتضح مما سبق أن مسألة حكم الأكل من الأضحية المنذورة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، وأن القول الراجح هو جواز الأكل منها للناذر، ما لم يقيد نذره بما يمنع ذلك، وذلك لقوة أدلة هذا القول وموافقته للأصول ومقاصد الشريعة. وينبغي للمسلم أن يتحرى الحكم الشرعي في عباداته ومعاملاته، وأن يلتزم بآداب الشريعة وضوابطها في كل أحواله. نسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يرزقنا الإخلاص والقبول.
يُنْظَر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (8/ 460)، الهداية شرح البداية (4/ 1473).العناية شرح الهداية (9/ 518).البدائع 5 / 80، ، وفتح القدير 8 / 436، تبيين الحقائق 6/ 8، والزيلعي مع حاشية الشلبي 6 / 8، وابن عابدين 5 / 208حاشية الدسوقي 2/ 122، مغني المحتاج 6/ 134، المجموع 8/ 417. والتاج والإكليل بهامش الحطاب 3 / 245، والفواكه الدواني 1 / 447، وشرح الروض 1 / 545، ونهاية المحتاج 8 / 133، والمهذب1 / 246، تقرير القواعد وتحرير الفوائد 2/ 394، الإنصاف 4/ 104، المغني 9/ 475،وكشاف القناع 2/ 282. الحاوي 15/ 119،
